محمد جواد مغنية

475

في ظلال نهج البلاغة

وفي أدوار حياته إلى مصيره . . فأوله نطفة وعلقة ، وآخره عظام نخرة ، وجيفة قذرة ، وهو في ريعان شبابه وأوج قوّته لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا . . وغرض الإمام من ذلك أن يعرف الانسان حده ، ويقف عنده . ولا يرى نفسه كبيرا والخلائق صغارا . 447 - ( وسئل من أشعر الشّعراء ) فقال : إنّ القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها ، فإن كان ولا بدّ فالملك الضّلَّيل ( يريد امرأ القيس ) . المعنى : الحلبة : الدفعة من سباق الخيل ، والمراد بالقصبة هنا ما تنصب في السباق ، ويأخذها السابق كعلامة على أنه الرابح الفائز . . وسمي امرؤ القيس بالضليل ، لأنه كان إباحيا يستحل جميع المحرمات كأبي نواس . ويقول الإمام : إن من شرط التفاضل بين شاعرين أن ينظما في موضوع واحد تماما كفرسي الرهان يجريان في ميدان واحد ، أما إذا نظم أحدهما في معنى ، والثاني في معنى آخر ، فيصعب التفاضل بينهما . . وإذا لم ننظر إلى هذا الشرط بعين الاعتبار فامرؤ القيس هو المقدم . هذا هو المعنى المفهوم من كلام الإمام . وليس من شك ان الشرط الذي ذكره لا بد منه للتمييز بين شاعرين أو ناثرين فيما يعود إلى الفكر والإبداع ، والإلهام والابتكار ، أما التفاضل في الأسلوب والبيان فلا يفتقر إلى هذا الشرط ، لأن فن الأداء والتعبير يدل بنفسه على نفسه أينما كان . . بخلاف الفكر والعلم . وبمثال للتوضيح : لا يقال : هذا في الطب أعلم من ذاك في الهندسة ، ويقال : هذا أفصح بيانا وأحسن تعبيرا من ذاك حتى ولو كان أحدهما طبيبا والآخر مهندسا . وعليه يكون غرض الإمام التفاضل من حيث الفكر والإلهام لا من حيث التعبير والبيان .